أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

373

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وجاء هنا : عَنْ مَواضِعِهِ ، وفي المائدة : مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ « 1 » قال الزمخشري : « أمّا عن مواضعه » فعلى ما فسّرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة اللّه وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه وأما « من بعد مواضعه » فالمعنى أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها ، فحين حرّفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه والمعنيان متقاربان » . قال الشيخ « 2 » : « وقد يقال إنهما سيّان ، لكنه حذف هنا وفي أول المائدة « 3 » ، مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ؛ لأنّ قوله « عَنْ مَواضِعِهِ » يدلّ على استقرار مواضع له ، وحذف في ثاني المائدة « عَنْ مَواضِعِهِ » لأنّ التحريف من بعد مواضعه يدل على أنه تحريف عن مواضعه ، فالأصل : يحرّفون الكلم من بعد مواضعه عنها ، فحذف هنا البعدية وهناك « عنها » توسّعا في العبارة ، وكانت البداءة هنا بقوله « عَنْ مَواضِعِهِ » لأنه أخصر ، وفيه تنصيص باللفظ على « عن » وعلى المواضع وإشارة إلى البعديّة » . وقال « 4 » أيضا : « والظاهر أنهم حيث وصفوا بشدة التمرّد والطغيان وإظهار العداوة واشتراء الضلالة ونقض الميثاق جاء « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » كأنهم حرّفوها من أول وهلة قبل استقرارها في مواضعها وبادروا إلى ذلك ، ولذلك جاء أوّل المائدة كهذه الآية حيث وصفهم بنقض الميثاق وقسوة القلوب ، وحيث وصفوا باللين وترديد الحكم إلى الرسول جاء « من بعد مواضعه » كأنهم يبادرون إلى التحريف ، بل عرض لهم بعد استقرار الكلم في مواضعها فهما سياقان مختلفان » . وقوله : وَيَقُولُونَ عطف على « يُحَرِّفُونَ » ، وقد تقدّم ، وما بعده في محلّ نصب به . قوله : غَيْرَ مُسْمَعٍ في نصبه وجهان أحدهما : أنه حال ، والثاني أنه مفعول به ، والمعنى : اسمع غير مسمع كلاما ترضاه ، سمعك عنه ناب . قال الزمخشري - بعد حكايته نصبه على الحال وذكره المعنى المتقدم - : « ويجوز على هذا أن يكون « غَيْرَ مُسْمَعٍ » مفعول « اسمع » أي : اسمع كلاما غير مسمع إياك لأنّ أذنك لا تعيه نبوّا عنه » . وهذا الكلام ذو وجهين : يعني أنّه يحتمل المدح والذم فبإرادة المدح تقدّر : « غير مسمع مكروها ، فيكون قد حذف المفعول الثاني ، لأنّ الأول قام مقام الفاعل ، وبإرادة الذمّ تقدّر : « غير مسمع خيرا » ، وحذف المفعول الثاني أيضا . وقال أبو البقاء : « وقيل : أرادوا غير مسموع منك » ، وهذا القول نقله ابن عطية عن الطبري ، وقال : « إنه حكاية عن الحسن ومجاهد » . قال ابن عطية : « ولا يساعده التصريف » يعني أن العرب لا تقول : « أسمعتك » بمعنى قبلت منك ، وإنما تقول : « أسمعت » بمعنى سببته ، و « سمعت منه » بمعنى : قبلت منه ، يعبّرون بالسماع لا بالإسماع عن القبول مجازا ، وتقدّم القول في راعِنا في البقرة « 5 » . قوله : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فيهما وجهان أحدهما : أنهما مفعول من أجله ناصبهما : « ويقولون » . والثاني : أنهما مصدران في موضع الحال أي : لاوين وطاعنين . وأصل ليّا : « لوي » من لوى يلوي ، فأدغمت الواو في الياء بعد قلبها ياء فهو مثل « طيّ » مصدر طوى يطوي . و « بِأَلْسِنَتِهِمْ » و « فِي الدِّينِ » متعلقان بالمصدرين قبلهما . و « لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا » تقدّم

--> ( 1 ) آية رقم ( 41 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 263 ) . ( 3 ) آية رقم ( 13 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 263 ) . ( 5 ) آية رقم ( 104 ) .